ابن الجوزي
316
المنتظم في تاريخ الأمم والملوك
وقد روى الزبير بن بكار ، قال : حدّثني مصعب بن عثمان : أن عمر بن عبد العزيز لما ولي الخلافة لم تكن له همة إلا عمر بن أبي ربيعة والأحوص . فكتب إلى عامله على المدينة : إني قد عرفت عمر والأحوص بالخبث والشر ، فإذا أتاك كتابي هذا / فاشددهما واحملهما إلي - فلما أتاه الكتاب حملهما إليه فأقبل على عمر وقال : هيه فلم أر كالتجميز منظر ناظر كالرمي [ 1 ] ، فإذا لم يفلت الناس منك في هذه الأيام فمتى يفلتون ، أما والله لو أهممت بحجبك لم تنظر إلى شيء غيرك ، ثم أمر بنفيه ، فقال : يا أمير المؤمنين ، أو خير من ذلك ، قال : ما هو ؟ قال : أعاهد الله عز وجل أن لا أعود لمثل هذا الشعر ، ولا أذكر النساء في شعر ، وأجدد توبة على يدك ، قال : أن تفعل ؟ قال : نعم . فعاهد الله على توبته وخلاه . ثم دعا بالأحوص ، فقال : من يقول : هي الله بيني وبين قيمها يفرّ مني بها وأتبعه بل الله بين قيمها وبينك ، ثم أمر بنفيه إلى دهلك ، فلم يزل بها ، فسئل في رده ، فقال : والله لا أرده ما كان لي سلطان . وقد اختلفوا في سبب موته على قولين : أحدهما : أن عمر بن عبد العزيز سيره إلى دهلك ثم غزا في البحر فأحرقت السفينة التي كان فيها ، فاحترق هو ومن كان معه . ذكره ابن قتيبة . والثاني : أنه نظر إلى امرأة مستحسنة في الطواف ، فكلمها فلم تجبه ، فقال لها أبياتا فبلغتها ، فقيل لها : اذكريها لزوجك ينكر عليه ، فقالت : كلا ، لا أشكوها إلا إلى الله فقالت : اللَّهمّ إن كان نوه باسمي ظالما فاجعله طعاما للريح . فضرب الدهر ضربة ، فغدا يوما على فرس ، فهبت الريح ، فنزل إلى شجرة ، فخدشه منها غصن فدمي فرمي فيه . فمات من ذلك [ 2 ] .
--> [ 1 ] « كالرمي » : ساقط من ت . [ 2 ] في الأصل : « قال الناقل : ولا أشك أن هذه الحكاية جرت لعبد الملك بن مروان وإلا فقد ذكر مؤلف الكتاب موت عمر بن أبي ربيعة ها هنا في خلافة الوليد ، أو قد يكون في اختلاف الروايات أن عمر مات في زمان عمر بن عبد العزيز ، والله أعلم بذلك » .